أبي منصور الماتريدي
298
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يوصف بالتغاير والزوال ، ولما كان كل حيّ سواه حيّا بغيره احتمل التغاير والزوال ؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها من عظم شأنه ، وشرف أمره عند الخلق . ألا ترى أن اللّه - تعالى - وصف الأرض بالحياة عند نباتها ؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات ؟ ! وكذلك سمى المؤمن حيّا ؛ لعلوّ قدره عند الناس ، والكافر ميتا ؛ لدون منزلته عند الناس ؛ فكذلك اللّه - سبحانه - سمى [ نفسه ] حيّا ؛ لعظمته وجلاله وكبريائه ؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء ؛ حيث قال : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ [ البقرة : 154 ] ، أي : مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم . وقوله : الْقَيُّومُ ، قال بعضهم : هو القائم على كل نفس بما كسبت « 1 » . وقال آخرون : القيوم : الحافظ « 2 » . وفي حرف ابن مسعود - رضي اللّه عنه - : « هو الحيّ القيام » « 3 » وكله يرجع إلى واحد : القائم . والقيوم ، والقيام ، يقال : فلان قائم على أمر فلان ، أي : يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء « 4 » . وروي عن ابن عباس « 5 » - رضي اللّه عنه - أنه قال : « إنّ اسم اللّه الأعظم هو : الحيّ
--> ( 1 ) قال مجاهد : « القيوم » : القائم على كل شيء . أخرجه آدم بن أبي إياس والطبري والبيهقي في الأسماء والصفات كما في الدر المنثور ( 1 / 579 ) وابن أبي حاتم ( 2 / 25 ) رقم ( 22 ) . وقال قتادة : القيم على الخلق بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم . أخرجه ابن أبي حاتم ( 2 / 26 ) رقم ( 23 ) . ( 2 ) قاله في عمدة الحفاظ ولم يعزه ( 3 / 415 ) . ( 3 ) قال الطبري في التفسير ( 6 / 155 ) : وقرأ ذلك عمر بن الخطاب وابن مسعود فيما ذكر عنهما « الحيّ القيّام » وذكر عن علقمة بن قيس أنه كان يقرأ : « الحيّ القيّم » . وأخرج قراءة ابن مسعود أبو عبيد وسعيد بن منصور والطبراني . وأخرج قراءة عمر أبو عبيد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي داود وابن الأنباري وابن المنذر والحاكم وصححه ؛ كما في الدر المنثور ( 2 / 4 ) ، وراجع المحتسب لابن جني ( 1 / 151 ) . ( 4 ) والقيّوم : بناء مبالغة وزنه فيعول ، وأصله : قيووم ، فقلبت الواو الأولى ياء ؛ لأجل الياء قبلها ، وأدغمت الياء الأولى فيها ، ومعناه : القائم الحافظ لكل شيء ، والمعطي له ما به قوامه . يقول السمين الحلبي : وعندي أنه لا يجوز إطلاق هذه اللفظة على غير الباري - تعالى ؛ لما فيها من المبالغة ، كما ذكروا ذلك في الرحمن ونحوه . انظر : عمدة الحفاظ للسمين الحلبي ( 3 / 415 ) ، ولسان العرب لابن منظور ( 5 / 3785 ) ( قيم ) . ( 5 ) هو حبر الأمة ، وترجمان القرآن ، عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي ، ابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضمه النبي صلى اللّه عليه وسلم إليه ، ودعا له أن يعلمه اللّه الحكمة ، وكان أعلم الصحابة بالتفسير وأسباب النزول ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أحاديث كثيرة ، وله مناقب جمة ، بحر في علوم الشريعة ، كانوا يرجعون إلى قوله ورأيه عند الاختلاف . مات بالطائف سنة 68 ه . -